الغزالي

167

فضائح الباطنية

متانة الدين ونقاية الرأي وممارسة الخطوب ومقاساة الشدائد في طوارق الأيام ، ورزانة العقل والعطف على الخلق والتلطف بالرعية ، وبمجموع هذين الأمرين يفهم مطلوب الكفاية ، فإن مقصودها إقامة تناظم الأمور الدينية والدنيوية ، وهذه قضية يستدل على وجودها بمشاهدة الأحوال والأفعال ، فلينظر المنصف كيف عالج معضلات الزمان بحسن رأيه ، لما استأثر الله بروح الإمام المقتدى وأمتع كافة الخلق بالإمامة الزاهرة المستظهرية ، وقد وافق وفاته إحداق العساكر بمدينة السلام وازدحام أصناف الجند على حافتها ، والزمان زمان الفترة ، والدنيا طافحة بالمحن متموّجة بالفتن ، والسيوف مسلولة في أقطار الأرض ، والاضطراب عامّ في سائر البلاد لا يسكن فيها أوار الحرب ، ولا تنفكّ عن الطعن والضرب ؛ وامتدت أطماع الجند إلى الذخائر ففغروا أفواههم نحو الخزائن ، وكان يتداعى إلى تغيير الضمائر وثور الأحقاد والضغائن ، فلم يزل بدهائه وذكائه وحسن نظره ورأيه مراعيا لنظام الأمر ، مترددا بين اللطف والعنف حتى انعقدت البيعة وانتشرت الطاعة ، وأذعنت الرقاب واتسقت الأسباب وانطفأت الفتن الثائرة وظلّ ظلّ الخلافة بحسن تدبيره وبرأي وزيره ممدودا ، وأصبح لواء النصر بحسن مساعية معقودا ، وطريق الفساد بهيبته مسدودا ، وأضحت الرعايا في رعايته وادعة ، وصارت عين الحوادث بحسن كلاءته عن مدينة السلام هاجعة ، فليت شعري هل تكسب مثل هذه العظائم إلا بكمال الكفاية ونباهة الحزم والهداية ! وهل يستدل على كفاية الملوك بشيء سوى انتظام التدبير وحسن الرأي في اختيار المشير والوزير ؟ ! فليس يعتبر في صحّة الإمامة من صفة الكفاية إلا ما يسر الله سبحانه له أضعاف ذلك ، فليقطع بوجود هذه الشريطة أيضا مضمومة إلى سائر الشرائط . القول في الصفة الثالثة وهي : الورع وهذه هي أعزّ الصفات وأجلّها وأولاها بالرعايات ، وأجدرها وهو وصف ذاتي لا يمكن استعارته ولا والوصل إلى تحصيله من جهة الغير ؛ أما النجدة فتحصيلها